موقع شوكت

للمعلوماتية
 
الرئيسيةالرئيسية  مكتبة الصورمكتبة الصور  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 الادب الكردي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
shawkat
shawkat


عدد الرسائل : 159
العمر : 37
تاريخ التسجيل : 19/07/2008

مُساهمةموضوع: الادب الكردي   الأحد مارس 18, 2012 7:32 am

من المألوف أن النظريات الأدبية والسياسية لا تلتقيان وليس فيها انسجام ومطابقة وهذا الأمر لا يساهم في إثراء الآداب أو أغنائها. ولكن... وا أسفاه- أنا مكره على الشروع في هذا البحث المقتضب من رؤية سياسية. لأن الباحث حين يسعى إلى الخوض في شؤون الأدب الكردي مقسر على التريث والوقوف لدى الأحوال السياسية في بلاد كردستان. ففي كردستان يرتبط كل شيء- والآداب ضمناً- بالسياسة والحياة الاجتماعية "ربما لن نعثر في أية رقعة من الأرض على آداب أمة أو شعب ترتبط بالسياسة ارتباطاً وثيقاً كما هو الحال في الأدب الكردي".(1)
ينبغي للمرء –أول وهلة- أن يعلم بأن بلاد كردستان منذ عام 1071م وحتى الآن تحدق بها الأخطار الجسام والنذر التي توعدها بالضياع. ولهذا التاريخ أهمية بالغة لدى الأكراد، حيث اقتحمت القبائل الطورانية الغازية المدن وفتحت بوّابة الأناضول وتشبثت بالأرض ورسخت فيها أقدامها،. وفي هذا التاريخ اندحر سكان الأناضول البيزنطيون ولحقت الهزيمة بالأكراد في موقعة "ملازكير" لدى مقاومة الغزاة والتصدي لهم. وقد غدت هذه الانتكاسة مصدر ويلات ومآسِ للأكراد لا تنتهي...
وقد غدا عام 1071م بداية ضياع البيزنطيين، وحين تمكن الأتراك من فتح القسطنطينية عام 1453م انهارت الإمبراطورية البيزنطية ولم تعد قادرة على المقاومة فخُرجت من ساحة التاريخ وضاعت.
أما بالنسبة للأكراد فإن الإخفاق في معركة "ملازكير" كان بداية حياة مسحوقة وممزقة عظيمة البؤس. ومنذ ذلك التاريخ دأب الأكراد على التصدي للقوات والجيوش الخارجية ومحاربة الدخلاء لحماية أنفسهم.
وقد ارتبطت كردستان بالدولة العثمانية –أول مرة- في عهد السلطان سليم الذي أبرم الوثائق والعهود بينه وبين الأمراء الأكراد الذين شاركوا ببعض قواتهم الجيوش العثمانية لمقاومة الصفويين الذين كانوا آنذاك أهل قوة وبأس.(2) وبعد تلك المعاهدات شرع الأكراد يحاربون القوات الإيرانية في جهات بحيرة "وان" ومناطق "جالديران".(3) وقد ورد ضمن وعود السلطان سليم أن الأكراد من حقهم تشكيل حكومة مستقلة وإدارة شؤونها بأنفسهم. وقد جرت المباحثات في هذا الصدد بين الأمراء الأكراد والسلطان سليم عن طريق الشيخ "إدريس البدليسي" بصفته الممثل السياسي للسلطان سليم ومؤرخه الخاص(4) وهو أول من دوّن تاريخ العثمانيين.(5)
ومما لا شك فيه أن توزع كردستان بين إمبراطوريتين كبيرتين الحق الضرر الفادح بكردستان ووقف عقبة كأْداء في سبيل تقدمها فما استطاعت الإمارات الكردية أن تتوحد وما استطاعت الآداب واللسانيات أن ترتقي وتتطور كاللغة الفارسية. وبسبب هذه السلبيات والواقع الزريّ وقعت كردستان تحت وطأة المتنازعين وصارت ساحة للمعارك الطاحنة التي لم تكن لها فيها ناقة أو جمل، فهي مستولى عليها سواء اذا انتصر الفرس أو انتصر العثمانيون والأكراد من بعد ذلك محكوم عليهم بالإذعان لهذه الإمبراطورية أو لتلك. وفي خاتمة المطاف تمخض هذا الأمر في عام 1639م عن انشطار البلاد وتحولها إلى جزئين. ثم ان الإمبراطورية الفارسية والعثمانية –آنذاك- وجدتا من الخير لهما الكف عن القتال واللجوء إلى الهدنة وأنهما تفتقران إلى أرض محايدة تفصل بينهما وفي معاهدة "قصر شيرين" اتفقتا على تقسيم كردستان(6) التي تحولت فيها –بعد هذا التقسيم- الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية إلى أسوأ الأحوال من فقر وجهل واضطراب. وقد تحدث الشاعر العظيم ملا أحمد الخاني في مؤلفه الشهير "مم و زين" عن هذا الاتفاق الغاشم:
Bifikir ji Erab heta ve Gurcan
Kurmanc çi bûye şubhê bircan
Ev Rûm û Ecem bi van hesar in
Kurmanc hemî li çar kenar in
Herdû terefan qabîlên Kurmanc
Bo tîrê qeza kirine amanc (7)
ويقول الشاعر حجي قادر كويي من القرن التاسع عشر- الذي جاء في أعقاب ملا أحمد الخاني.
Le mabeynî kilaw şûr û kilaw reş
Perêşan in,dibine mîsalî gay beş (Cool
بعد مرور ثلاثمائة عام على هذا التقسيم الأول، تعرضت البلاد إلى تقسيم آخر، ففي أعقاب الحرب الكونية الأولى عندما اجتمعت تركيا والدول الحليفة المنتصرة في مؤتمر لوزان عام 1923م تحولت بلاد الأكراد إلى أربعة أجزاء وقبل انعقاد مؤتمر لوزان بثلاثة أعوام عام 1920م كانت الدولة العثمانية والدول المتحالفة المظفرة قد أصدرت لدى انعقاد مؤتمر سيفر عام 1920م وثيقة أقرت فيها منح الأكراد الحقوق القومية والحقوق الإنسانية، ولكن اسم الأكراد – بعد مرور ثلاثة أعوام- حذف من الأوراق في مؤتمر "لوزان" وأعيدت تجزئة بلادهم. لقد كانت معاهدة "لوزان" نكبة قاصمة للأكراد(9) لأنها قضت بتجزئة كردستان إلى أربعة أجزاء وقد كانت المعاهدة قاتلة حقيقية لهذه البلاد إذ تمزقت الأرض وتشتت الشعب.(10)
بعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها نالت جميع الشعوب والأمم حقوقها دون أن يظفر الأكراد بأي نصيب من هذه الحقوق علاوة على تمزق بلادهم.
ومنذ ذلك التاريخ وحتى هذه الأيام ما زال الأكراد في كردستان يعيشون حياة مشتتة يخوضون معركة بين البقاء والفناء أو بين العدم والوجود... لذلك كان من الواجب على المرء أن يلقي نظرة متمعنة على حرب العدم والوجود اذا شاء أن يبحث في قضية اللغة والأدب.

الأدب الكردي: الصراع بين البقاء والفناء
إنني أميل منذ الآن إلى البوح بهذه الحقيقة: إن الآداب الكردية لم تتطور ولم ترتق إلى درجة يمكن مقارنتها بالآداب العالمية أو الموازنة بينهما. لأنها أي الآداب الكردية لم تتح لها الظروف الملائمة في حياتها السياسية والاجتماعية التي تعد شرطاً من الشروط التي يقوم عليها بنيان أيّ أدب من الآداب. إن الأهوال والملمات السياسية التي حاقت بالشعب الكردي أغلقت السبل أمام آدابه وحرمتها من وسائل التطور والارتقاء. إلا أنه من الممكن أن يتحدث المرء عن الأدب الكردي ويضفي عليه نعوتاً حسنة في فترة "الأعوام الألف 1000م" ونعنى الأدب الكردي المدوّن الذي ظل مزدهراً ومتألقاً وناضجاً حتى الفترة التي تجزأت فيها كردستان وتوزعت بين الدول. لأن البلاد طيلة هذه المدة كانت موحدة ومتمتعة بالحرية والاستقلال ولها وشائج وعلاقات جيدة مع جاراتها من الدول... وفي هذه الأيام برز رجال أفذاذ في العلوم والآداب وغيرهما من المعارف.
إن هذا الجزء الأكبر الذي كان يقع ضمن حدود الدولة العثمانية وهيمنتها كان عبارة عن ثلاث دول معروفة باسم "الدولة الكردية" موزعة في دياربكر والرقة والموصل.(11) تحكمها ثلاث عائلات كردية. وعلى الرغم من نظام الدولة العثمانية فإن هذه الدول الكردية كانت شؤونها تدار وتسيّر حسب الأعراف والتقاليد الكردية، أي أنها لم تكن خاضعة في إدارة أمورها للأنظمة العثمانية. وهذه الأعراف والتقاليد الاجتماعية كانت تنفذ وتطبق في رعاية الأمراء وتدبيرهم، ولأن هذا الأمر داخل في صلب موضوعنا وله علاقة بهذا البحث فلا بُدَّ لنا من التوقف عند إمارة "جزيرة بوتان=جزيرة ابن عمرو" لأن الفطاحل من الشعراء التقليديين "الكلاسيكيين" المعروفين بأصحاب المدرسة "الكرمانجية الشمالية" عاشوا في ارجائها مثل: علي الحريري (1425-1490) وملا أحمد باتي (1414-1495) وملا أحمد الجزيري (1570-1651) وفقي طيران (1590-1660) وأحمد خاني (1651-1707).(12)
وليس خافياً أن اللغة العربية بعد أن اعتنق الأكراد الإسلام كان لها تأثيرها البالغ في كردستان، وعلى الرغم من هذا التأثير العميق فقد نظم علي الحريري قصائده باللغة الكردية وأصدر بها ديواناً وحسب ما يقال فإن الحريري هو أول شاعر كردي نظم شعراً باللغة الكردية بعد ظهور الاسلام في كردستان.(13)
إن "الملا" الجزيري الصوفي المذهب له شهرة واسعة بين جميع الطبقات الكردية ولاسيما بين رجال الدين وطلاب "الفقه". اسمه الحقيقي هو: الشيخ أحمد، ولد في مدينة "جزيرة" وكان شاعر أمير جزيرة "بوتان" وقد ألف شعراً بليغاً ورائعاً جمعه في ديوان وقد جعله هذا الديوان أحد أهم الشعراء الكلاسيكيين التقليديين الخالدين.(14) ولغته واسلوبه لهما خصوصيتهما في الأدب الكردي وكان معاصراً للشاعر الفارسي الكبير: حافظ شيرازي. ويبدو لنا أنه كان على معرفة به حيث يقول في إحدى قصائده:
Ger lûlû yê mensûr ji nezmê tu dixwazî
Der şihîrê Melê be, te bi Şirazî çi hacet
ونعتقد أن اللغة الفارسية كانت اللغة الأدبية التي تجذب إليها الأدباء وتحظى بأعلى الدرجات، لذلك نرى الجزيري في البيتين السابقين يدعو القراء المعجبين بالأدب الفارسي: إن كنت تبحث عن اللؤلؤ المنثور فهذا هو شعر الملا "الجزيري".. فما افتقارك إلى "الشيرازي" يدعوهم إلى الالتفاف حول لغتهم الكردية والعودة إليها. وتداولها في الآداب.
إن "محمد" المعروف باسم "فقي طيران" هو من أهالي "مكوس= Mikusê" وحسب ما صرح م. محمود بيازيدي لـ.آ. جابا فقد عرف فقي طيران بثلاثة أعماله هي: "الشيخ الصنعاني" و "قيساي برسيايي" و "قوْلي هسبي رش".(15)
كان فقي طيران من تلاميذ الشاعر ملا أحمد الجزيري وقد تأثر بمدرسته الشعرية وكتب الشعر على منوال أستاذه الملا أحمد الجزيري وسار على منهجه في أسلوبه الشعري في بداياته(16) ولما اكتملت شاعريته ابتكر لنفسه أسلوباً سهلاً رقيقاً، اسلوباً سهلاً ممتنعاً كما يقال ولكنه في متناول فهم الجميع وهو خالٍ من الانبهام والغموض. وبهذا الأسلوب والمنهج أصبح فقي طيران من الشعراء الخالدين الذين تقرأ قصائدهم بنهم وشوق. وعلى النقيض من شعر الملا أحمد الجزيري فإنّ الشاعر فقي طيران حرر شعره من أسر التصوف وقيوده وكتبه بأسلوب واضح شعبي يفهمه عامة الناس. وحتى الآن ما يزال شعره يقرأ بكثرة في الأوساط الكردية ويعاد طبع ديوانه بين حين وآخر. ومن المعروف والمشهور أن أحاديث وروايات تُنقل وتُروى عن "فقي طيران".(17)
يقول جلادت عالي بدرخان في بعض كتاباته القيّمة التي تحمل عنوان "كلاسيكيونا"- الأدباء والشعراء الكلاسيكيون": إن "فقي طيران" أثيرت عنه حكايات تزعم أنه كان يفهم لغة الطيور. وفي هذا المعنى صيغت رواية طويلة. وآخر الشعراء المنتمين إلى مدرسة "الجزيري" هو أحمد الخاني الذي يعد دون شك ودون مراء اكبر وأعظم شاعر وكاتب كردي. ومن أعظم آثاره روايته الشعرية "مم و زين" التي نسجها على غرار ملحمة "ممي آلان" الأسطورية القومية. وأحداث "مم و زين" مستقاة من ينبوع هذه الملحمة ومقتبسة من ضوئها..(18) وقصة "مم وزين" حكاية حب بائس مفعم بالآلام واللوعة واللهفة بين قلبين عاشقين.. إلا أن الملا أحمد الخاني كتبها بأسلوبه الجذاب ولغته البليغة وسبكها في قالب جديد من صناعته وصاغ الملحمة صياغة فريدة سكب فيها وجدانه وضميره ومشاعره وأخرجها إخراجاً رائعاً ممتعاً. والشاعر أحمد الخاني عالم ومفكر قومي يحمل هموم قومه ووطنه بكل ما في ذلك من المعاني، فهو أول من فكّر متأنياً متمهلاً في شأن الآداب واللغة والثقافية الكردية ودعا إلى توحيدها. ولا تزال قصة "مم وزين" أثراً فذاً رائعاً في الأدب الكردي. وليس من شك في أن أحمد الخاني عالم كبير متضلع من اللغة والأدب. وأهمية أحمد الخاني وجلال قدره في الأدب الكردي تضاهي أهمية شكسبير وسرفانتس ودانتي والفردوسي في آداب ولغات بلادهم.
ولقد تحدث هذا الشاعر الجليل عن الأدباء والشعراء القدماء الأكراد في مستهل عمله الأدبي حيث يقول:
Ger dê hebûya me jî xudanek
Alîkerîmek, letîfe danek
Ilim û huner û kemal û îzan
Şiêr û xezel û kitab û dîwan
Ev cîns bibûya li ba wî mamûl
Ev neqd ê biba li ba wî meqbûl
Min dê elema kelamê mewzûn
Alî bikira li banê gerdûn
Bînave riha Melê Cizîrî
Pê hey bikira Elî Herîrî
Keyfek we bida Feqihê Teyran
Hetta bi ebed bimayî heyran (19)
وفي ذلك العهد كانت اللغة العربية والفارسية تدوّن بهما الآداب وتنظم القصائد وتكتب العلوم، إلا أن الملا أحمد خاني أصدر عمله الأدبي ذا الشهرة الواسعة "مم و زين" باللغة الكردية لأسباب يذكرها في هذه الأبيات:
Da xek nebêjitin ku Ekrad
Bê marîfet in, bê esl û binyad
Enwayî milet xwedan kitêb in
Hem ehlê nezer nebên ku Kurmanc
Işqê nekirin ji bo xwe amanc
Têkda ne di taib in, ne metlûb
Vêkra ne mihîb in ew, ne mehbûb
Bê behre ne ew, ji eşqbazî
Farix ji heqîqiy û mecazî…(20)
أي أنه فعل ذلك حتى لا يخطر على بال أحد أن الأكراد ليسوا أصحاب مجد وليسوا أهل آداب. إن ملحمة "مم و زين" التي أخرجها "الخاني" في ذلك القالب القشيب والصورة الزاهية ليست مجرد رواية حب طاغ أو قصة عشق حزين ولكنها في الوقت نفسه عمل أدبي رقيق الحاشية مطرز بأسلوب عذب يبلغ أقصى درجات العذوبة والجزالة والبيان لا نجد في الأعمال الأدبية له نظيراً.
إن أبطال ملحمة الخاني هم أشخاص ورد اسماؤهم في ملاحم قديمة غارقة في القدم وفيهم أيضاً أشخاص عاصروه من رجال الثقافة والمجتمع والسياسة فهو يتحدث عنهم يقول الخاني:
Sazê dilê kul bi zêr û bem bit
Sazendeyê işqê Zîn û Mem bit.
ثم يتابع:
Şerha Xemê dil bikim fesane
Zînê û Memê bikim behane
Nexme we ji perdeyê derînim
Zînê û Memê ji nû ve vejînim.(21)
إن " مم و زين" هما رمزان من رموز الأكراد ولغتهم وبلادهم كردستان. والملا أحمد الخاني في هذا الأثر العظيم الذي تركه للأجيال المتلاحقة يصف بإسهاب أحوال زمانه وصفاً دقيقاً بأسلوب شائق جذاب يجعل المرء يشعر بطلاوة اللغة الكردية ويحثه على احتضان لغته ورعايتها قراءة وكتابة. وهذه هي المرة الأولى التي يجعل فيها "الخاني" الحس القومي والشعور الوطني جزءاً من حياة الأكراد.
يحاول الباحث: "باسيل نيكيتين" الموازنة بين الشاعر ملا أحمد الخاني وبين الشعراء النابغين في ذلك العهد مثل: جلال الدين الرومي، ويتحدث عن الخاني على الشكل التالي:
"مما لا شك فيه أن الشاعر أحمد الخاني هو أحب الشعراء إلى نفوس الأكراد وأعظمهم قدراً... إن ثقافة الخاني ومعرفته باللغة الرصينة والمعاني الشريفة وإتيانه بالصور والأخيلة وعشقه المتدفق وحبه وأشواقه جعلته أعظم شاعر يأخذ بالألباب ويسبي الأفئدة".(22)
لقد ألّف الشاعر الخاني –علاوة على ملحمة "مم و زين" معجماً منظوماً في اللغة العربية والكردية للمبتدئين والناشئين، وحسب ما نعلم فقد كان الخاني يدرّس اللغة الكردية في مدرسته في مدينة "بيازيد".. ولما وضع معجمه آنذاك كان يعتقد أن تلاميذه بحاجة إلى مثله. يتحدث الخاني عن عمله في مقدمة معجمه على الشكل التالي:
Ev çend kelîme ne, ji luxatan
Vêk êxistin Ehmedê Xanî
Navê (Nûbihara Biçûkan) lê danî
Ne ji bo sahib rewacan
Belkî ji bo biçûkêt Kurmancan.(23)
يقول الشاعر هنا ما فحواه:" هذه كلمات لغوية ألفها "أحمد خاني" بعنوان" نوبهار" –أي الربيع الجديد" لصغار الأكراد".
وينقل الرواة عن الشاعر أنه ألّف كتاباً في علم الفلك... ولقد كان لأحمد خاني التأثير الفعّال في أساليب أولئك الكتاب والشعراء الذين أتوا من بعده، وساروا على نهجه فاستفادوا من علمه وأدبه وشعره ودليلنا في ما ذهبنا إليه أن الشاعر الكبير "حاجي قادر كويي"(1817-1897) الذي يعتبر ويعرف بين الأكراد بلقب أحمدي خاني الثاني- يلهج بذكره في شعره ولا يكف عن الثناء عليه والاعتراف بفضله ونبوغه وتفوقه وسمو قدره.(24)
ولا مندوحة لنا من العودة إلى الشاعر:"فقي طيران" والتحدث عنه فهو أول شاعر يمارس كتابة النثر ويسهم في بناء هيكل النثر الكردي والارتقاء به.
وكتابه النثري بعنوان "برسيس Ber Sîs" هو النموذج أو المثال الأول عن النثر الكردي، وفي هذا الكتاب يتناول موضوعاً اسطورياً خرافياً "ميثولوجيا" مشبعاً بالمردة والجان والعمالقة والغيلان إلى جانب تناوله الحياة الاجتماعية في تلك الفترة من الزمن... وهذا الكتاب يقدم للقارئ معلومات مفيدة ومثيرة.(25)
إضافة إلى إمارة "بوتان" التي احتضنت الآداب واللغة الكردية وسارت بها إلى مراتب عالية، علينا أن لا نغفل أمر الإمارات الكردية الأخرى مثل إمارة: أردلان، وبابان اللتين ساهمتا مع إمارة " بوتان" في أداء دور عظيم في مجال تطوير الأدب واللغة والسعي بهما إلى الكمال... من هذه الإمارات إمارة "بابان" التي كانت تقع في رقعة من الأرض التي تعرف اليوم باسم "العراق". وقد ظلت هذه الإمارة أقوى الإمارات منذ عام 1500م حتى عام 1850م وكان لها أبلغ الأثر في سياسة الدولة العثمانية كما كان لها إسهام كبير جداً في آداب اللهجة الكردية الجنوبية (اللهجة الصورانية) ولغتها.(26)
إن مدينة "السليمانية" التي كانت هي مركزاً للعلوم والآداب والثقافات في غابر الأيام هي اليوم أيضاً أهم مركز للأدب والثقافة والعلوم والفنون... تكثر فيها المدارس والمعاهد والجامعات ودور العلم.. وهي موقع تجاري هام تنشط فيها الحركات التجارية تأتيها الوفود والسياح والزوار.. تتمتع بحرية مطلقة واستقلال داخلي.. وبفضل تلك الآداب والثقافات من علوم ولغات بلغت هذه المدينة تلك الدرجة الرفيعة من الحضارة والرقي. وضمن رقعة الأرض البابانية (إمارة بابان) نشأت مدرسة خاصة بلغة الجنوب أيْ "الصورانية" على غرار تلك المدرسة التي نشأت في إمارة "بوتان".
وبريادة شعراء وكتاب مثل نالي (1797-1855)م، وسالم (1800-1866)م، وكردي (1803-1849)م وقعت جميع أرجاء كردستان تحت تأثير هذه النهضة التي تحدثت عنها.(27)
إنّ الشاعر "نالي" و"سالم" من الكتاب الأكراد الخالدين، كان هذان الكاتبان الشاعران صديقين حميمين تربطهما وشائج متينة من الصداقة، وكان كل منهما يقيم في مكان بعيداً عن الآخر، يثابران على تبادل الرسائل شعراً.
ولدى دراسة آثار هذين الشاعرين نجد أن "نالي" قد أرسى قواعد شعره على صعيد مشاعره وتجاربه الشخصية ولغته ثرة وغزيرة، مترعة بالرموز والإيحاءات. وقد كان "نالي" مؤمناً بتوحد الأكراد وتضامنهم وكان يسعى إلى تحقيق ذلك. ويتمنى بكل صدق وحرارة أن تنهض إمارة "بابان" بدور قيادي في توحيد الأكراد. إلا أن أحلامه لم تثمر، وبسبب الضغوط غادر وطنه وهاجر إلى بلادٍ غريبة، وعاش في المنفى... في دمشق واستانبول وفي مكة ومات في بلاد الاغتراب، من بلاد المنفى كان يراسل خلّهُ وصديقه "سالم" بشعر على غاية من العذوبة والطلاوة، وقصائده هي أجمل شعر كتب باللغة الكردية دون مراء. وكان شعره ينضح بلواعج وأحزان ولهفة شاعرٍ نفي عن أرضه، زاخراً بالآمال الجسام والدعوة إلى غايات ومقاصد شريفة ميمونة، يضجُّ بالصراخ والتمرد على الحياة البائسة المشردة، حافلاً بالتحريض على مواجهة الطغاة والظالمين وكسر شوكتهم والتصدي لهم بكل بأس وعنفوان والثورة على طغيان الدولة العثمانية وجبروتها، مليء ببلاغة وعذوبة لا حدّ لهما، طافح بالمعاني الأدبية الشفافة وبالمشاعر الإنسانية وأحاسيس الصداقة.. فكأنما أبيات تلك القصائد درر ولآليء منظومة براقة... ونجد في ردود الشاعر "سالم" أسلوباً رائعاً في التعبير عن خبيئة نفسه من الشوق والحب والعواطف الجياشة التي يكنها لصديقه في بلد المنفى.
ومن غير هذين الشاعرين ظهر شعراء وكتاب بارزون جديرون بالذكر وعلى الجهات الأدبية الإعلامية إيراد أسمائهم في تاريخ الأدب الكردي مثل: حاجي قادر كويي (1817-1897)م، والشيخ رضا طالباني (1836-1910)م، و وفائي (1836-1892)م، وأديب (1862-1917)م، ومحوي (1830-1909)م. ومن بين هؤلاء الشعراء على المرء أن يتذكر حاجي قادر كويي.
كان الشاعر حاجي قادر كويي من أكثر الشعراء الذين ساروا على نهج أحمد خاني، نباهةً ونبوغاً، فقد أثرى وأغنى اللغة الكردية وآدابها بأفانين شعره وبدائع نظمه وسار بها نحو الرفعة والسمو. وببلاغة لغته وجزالة قصائده غدا أعظم شاعر باللغة الصورانية (لهجة الجنوب) كما كان أحمد خاني أعظم الشعراء في جزيرة بوتان، ... وبفضل أدبه الرفيع وأحاسيسه الإنسانية والقومية أصبح أكبر وأعظم شعراء القرن التاسع عشر.(28)
في بعض قصائده يتوجه بالسؤال إلى القراء الذين يجدون غضاضة في اللغة الكردية على الشكل التالي:
Kurdî axir bilê çi ye eybî?
Her kelamî heq e, niye eybî?
Ya legel farisî çi ferqî heye?
Bo çi ev rast e, bo çi em kemiye?(29)
هل من عيب في اللغة الكردية؟
وهل بينها وبين الفارسية بَوْنٌ؟
ولماذا تكون تلك صحيحة وهذه معتلة؟
والشاعر الذي يلهج باسم الأكراد في قصائده ويكثر من ذكرهم ويتحدث عن تأخرهم عن الحضارة وتخلفهم عن المعرفة هو في كل الأحوال ليس سوى الشاعر: حاجي قادر كويي.
يذكر "أمير حسان بور" في عمله القيم لنيل شهادة الدكتوراه أن كلمتي "Nûsîn نوسين" و "كتابKîtab " وردتا مراراً في قصائد الشاعر حاجي قادر كويي وهما من أكثر الكلمات التي زخر بها شعره. عاش أعوامه الأخيرة في عاصمة الدولة العثمانية حيث اختلط بأفراد الأسر الكردية الكبيرة، وغدا أكثر قرباً من العالم الحديث. وفي هذه الأثناء درّس أفراد الأسرة الكبيرة، أسرة آخر أمراء بوتان. الأمير بدرخان التي كانت تقيم في منفاها في استانبول (كان الأمير بدرخان يقيم آنذاك في دمشق حيث وافته المنية إلا أن أسرته كانت مقيمة في استانبول).
لقد كانت لتجاربه وحياته الجديدة أثر إيجابي عميق في شعره.
أما إمارة "أردلان" فكانت تقع في رقعة الأرض التي يطلقون عليها اليوم اسم "إيران".. وكانت هذه الإمارة من أقوى الإمارات الكردية التي نشأت على أرض كردستان ازدهرت فيها الآداب والثقافات متفوقة على سائر الإمارات في الثقافة والقوة. كثر فيها الشعراء والكتاب وأهل المعرفة. وكان الناس في هذه الإمارات يتكلمون اللغة الكردية (اللهجة الهورامية) وبها كان الكتاب والأدباء والشعراء يدونون كتاباتهم وينظمون قصائدهم، وجميع الأعمال التي كتبت بهذه اللغة (اللهجة الهورامية) تبلغ درجة عالية من البلاغة والأداء وقد حافظت على قيمتها الفنية وتأثيرها حتى هذه الأيام ولم تفقد منها شيئاً على مرّ الزمن.
كانت اللهجة "الهورامية" هي اللغة الرسمية لدى طريقة "أهل الحق"(30) وهي الطريقة الصوفية الكردية ذات الانتشار الواسع وكثرة الأتباع في إمارة "أردلان". وظلت اللهجة الهورامية لغة أدبية رفيعة في مدى القرنين السابع عشر والثامن عشر وبقيت كذلك حتى آخر أيام انهيار الإمارة الاردلانية في القرن التاسع عشر. وقد خرّجت هذه الإمارة عدداً هائلاً من الشعراء والأدباء والعلماء الذين يتداولون اللهجة الهورامية. ولا بد لنا من ذكر أسماء هؤلاء الشعراء: البصراني (1641-1702)م، خاناي قوبادي (1700-1759)م، مولوي (1806-1882)م وأحمد بكي كوماسي. وأكبر الشعراء الذين كتبوا باللهجة الهورامية هو الشاعر: المولوي. الذي أحبه الأكراد وأعجبوا بشعره إعجاباً كبيراً وحفظوه وتداولوه ونال بينهم حظوة كبيرة وشهرة واسعة، وقد حاز تلك المحبة والتقدير وذيوع الصيت إبّان حياته. وكان عشاق شعره يتمثلون به ويستشهدون بأبياته وينشدون قصائده واسمه الحقيقي هو سيد عبدالرحمن وكان شعره في ميدان التصوف يفوق شعر المتصوفين سمواً ورفعة من بينهم ملا أحمد الجزيري والـ"محوي". ولديوانه سمعة حسنة وشهرة واسعة بين الجماهير الكردية وهو الذي نشر أول مرة بفضل الشاعر "بيرمرد" في كردستان العراق عام 1936م وما زال الناس حتى هذه الأيام يحفظون مواعظه الدينية. وقبل أن توافيه المنية بزمن قصير كفّ بصره ومع ذلك ظل مثابراً على الكتابة والتأليف. إنه بعد اسطوناً من أساطين الشعر الكردي ومدماكاً في أسس النظم.(31)
بيد أن هذه النهضة التي تحدثنا عنها قليلاً كان عليها أن تزداد تطوراً مع مرور الأيام (32) إلا أنها –واأسفاه- إنهارت وتداعت للسقوط بعد تمزق أوصال الإمارات الكردية وخلت منها ساحة الأدب.(33)
لقد سبق لنا آنفاً أن نوهنا بأن إمارة "بوتان" كانت أكثر الإمارات الكردية ثقافة وأكثرها اهتماماً بالآداب... هذه الإمارة التي زالت على يد العثمانيين.
في أعوام 1800م ظهرت حالة من أحوال اليقظة والإباء القومي والرفض في أنحاء كردستان. ففي تلك الأعوام بدأت الوثبة القومية والتمرد على الظلم في إمارة "هكاري" وإمارة "بادينان" وإمارة "صوران" وكذا إمارة "بابان" (كانت هذه الإمارات مرتبطة بالدولة العثمانية) وإمارة "أردلان" وإمارة "موكري" (كانت هاتان الإمارتان تابعة للدولة الصفوية-الإيرانية). بعد اندحار انتفاضة الأمير محمد الرواندوزي عام 1926م بدأت ثورة الأمير بدرخان. كانت إمارة جزيرة "بوتان" تحكمها أسرة "أزيزان" منذ مائة عام وفيما بعد، وكان الأمير بدرخان آخر أمراء هذه الإمارة الذي تسنم سدة الإمارة عام 1821م.(34) هذا الأمير الذي نشأ وترعرع وهو يرضع لبان الشعر والحكمة من ديواني ملا أحمد الجزيري وملا أحمد الخاني وتشبع فكره وحسه بالمفهوم القومي فجعل نشر هذا الوعي همه الأول ودأب على رأب صدع الإمارات والحاكميات وتوحيدها في دولة واحدة وقوية لمقاومة السلطة العثمانية وزرع هذا الفكر في عقول الأفراد حتى صار جزءاً من حياتهم الاجتماعية والسياسية.
اتصل الأمير بدرخان بأمير "هكاري" نورالله وأمير "موكس" محمود خان واتفق معهم على بعض الأمور السياسية فقويت شوكتهم السياسية والعسكرية في "سرحدان" و "موش" و "قارس" وذاعت دعوتهم في جميع أرجاء كردستان وكادت الأمور أن تستقيم لهم إلا أن أحداثاً وقعت فشب عداء وخصومات بين الأكراد والنسطوريين جعلت الجميع في شغل شاغل. شن الأمير بدرخان حملة شعواء على النسطوريين وألحق بهم هزيمة منكرة. إلا أن هذا الهجوم كان بداية النهاية للإمارات الكردية، لأن الدول الأوروبية استنكرت هذه العملية ونددت بها وشجبتها بعنف ولاسيما انكلترا وفرنسا وألحت هذه الدول على السلطات العثمانية أن تثأر للنسطوريين، وكانت الدولة العثمانية على كامل الأهبة والاستعداد لمثل هذا المطلب وتبحث عن ذريعة للاعتداء وفي عام 1947م جهزت جيشاً جراراً مدججاً بالأسلحة والعتاد واقتحمته في جزيرة "بوتان" فلما تمكنت من الانتصار على الأمير بدرخان الذي كان يُعرف مثل "ملك" لكردستان أرسلته مع أفراد أسرته الكبيرة إلى المنفى. استقرت الأسرة في استانبول واستتب بها المقام أما الأمير بدرخان فقد أبعدته الدولة العثمانية للإقامة في جزيرة "كريت" ومن "كريت" فيما بعد أرسلته إلى دمشق حيث توفي هناك عام 1868م.(35)
لقد أدت الأسرة البدرخانية دوراً عظيماً في تاريخ الأكراد الحديث، ولهذا أطلت الحديث عن الأمير بدرخان ونفيه ونفي أسرته. وفي الحقيقة فإن أولاد الأمير بدرخان وأحفاده قدموا للأكراد منافع جليلة في العمل السياسي وفي مجال اللغة والثقافة والأدب وسوف أتحدث عن كل مآثرهم كلما مرّ شيء من ذلك بذاكرتي فقد ظلوا دائبين على تطوير الآداب حتى عام 1978م وتركوا آثارهم العميقة الخالدة في بنية الثقافة الكردية وملامحها.
يتضح مما سبق من السطور أن الآداب والثقافات واللغة الكردية كانت تحت هيمنة ثقافات لغات أخرى ومهددة بالضياع والانقراض. وبسبب انقسام البلاد والظلم الواقع على الجماهير وتمزق الأواصر بين الأفراد وتفكك بنيان المجتمع والاضطرابات الداخلية والخارجية لم تدع للإنسان الكردي فرصة للتفكير في شؤون أدبه وثقافته فما أنشأ الأكراد مؤسسات ومدارس ومعاهد أو جامعات ولم يقيموا دوراً للنشر والطباعة والتوزيع ولم يصدروا صحيفة أو مجلة ولم يستطيعوا –وهذا هو الأهم- أن يزيحوا شعار العزلة ويكسروا طوق التشتت ويخلقوا جواً للتواصل بين الكتاب والمثقفين والمتنورين والفنانين حتى يستطيع هؤلاء الناس مجتمعين بتضافر جهودهم أن ينيروا عقول العامة ويؤثروا في فكرهم.
ولهذه الأسباب- فإن المرء لا يستطيع أن يجد أدباً رفيعاً جداً أو ثقافة عالية في بلد مثل كردستان حيث يعيش الشعب في أحوال بائسة مزرية يرزأ تحت الهموم محروماً من تلقي العلوم والثقافة، والتدوين.
وليس في وسع المرء أيضاً أن يقارن الأدب الكردي بآداب الأقوام الأخرى التي قطعت شوطاً بعيداً في ميادين المدنية والحضارة والاستقلال الفكري.

منقول ....
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://shawkat.alafdal.net
 
الادب الكردي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
موقع شوكت :: كوردولوجي :: نه‌ته‌وا کوردی-
انتقل الى: